أبو نصر الفارابي
79
كتاب السياسة المدنية
السعادة والخير والشر والسعادة هي الخير على الإطلاق « 1 » . وكل ما ينفع في أن تبلغ به السعادة وتنال به فهو أيضا خير لا لأجل ذاته لكن لأجل نفعه في السعادة . وكل ما عاق عن السعادة بوجه ما فهو الشر على الإطلاق « 2 » . والخير النافع في بلوغ السعادة قد يكون شيئا مما هو موجود بالطبع ، وقد يكون ذلك بإرادة . والشر الذي يعوق عن السعادة قد يكون شيئا مما يوجد بالطبع وقد يكون بإرادة « 3 » . وما هو منه بالطبع فإنما تعطيه الأجسام السماوية ولكن لا عن قصد منها لمعاونة العقل الفعال على غرضه ولا قصدا لمعاندته . فإنه ليس النافع في غرض العقل الفعال مما أعطته الأجسام السماوية هو عن قصد منها لمعاونة العقل الفعال على ذلك ، ولا العائق له عن غرضه من الطبيعيات هو عن قصد من الأجسام السماوية لمضادة العقل الفعال في ذلك ، لكن في جوهر الأجسام السماوية أن تعطي كل ما في طبائع المادة أن تقبله ، غير محتفظة في ذلك لا بما نفع في غرض العقل الفعال ولا بما ضرّ . فذلك لا يمتنع أن يكون في جملة ما يحصل عن الأجسام السماوية أحيانا الملائم في غرض العقل الفعال وأحيانا المضاد .
--> ( 1 ) تحديد السعادة بأنها الخير المطلق اعتمده أرسطو وأخذه عنه الفارابي . ( 2 ) تحديد الشر والخير بأنهما ما يعوق عن السعادة أو يساعد عليها . ( 3 ) الفارابي يقول بمبدأين للأخلاق هما الطبع والإرادة . وبهذا يوفق بين أرسطو القائل بالإرادة والجاحظ القائل بالطبع .